في ملكوت الأربعين

كان فجراً جمع النشوة والبهجة بالأسى واللوعة، وشعوراً تداخلت فيه أحزان الذكرى وآلام المصاب، بمباهج التوفيق للارتقاء والسعادة باللقاء، حانت منه إطلالة على الركب أورثت مشاهد ملكوتية، سُجلت بقلم حضر هناك، فأُعطي، أو انتزع من تلقائه، شيئاً من السلطنة والولاية، فوَّضني أن أنقلها، فكانت هذه السطور…

في هذا الدرب الطويل، والطريق العصيب العسير، الذي أبى روَّاده الراحة والركوب، وأصروا على العَناء واللغوب، فترجُّلوا عن مراكبهم وقطعوا عشرات أو مئات الأميال مشياً على أقدامهم، والنجائب تساق أمامهم والحافلات تقاد خلفهم… هناك مَصاعد ومَطالع لا ينالها إلا سعيدٌ جاء بقلب سليم، ومَراقٍ ومعارج لا يُلقَّاها إلا ذو حظٍّ عظيم، وكأن الملايين هنا كلُّهم من أصحاب الكهف والرقيم، والعالم من آياتهم عجباً! وقد وُضع شرطٌ وِتر للارتقاء، وارتسم سبب أوحد للعروج في السماء: عشق الحسين.

كلما أُذكيت في النفس لواعج هذا الوجد والغرام، وغلبت الروحَ تباريحُ هذا الجوى والهيام، ورهُف الحسُّ ورقَّ الهوى وبرى الشوق، وتمكَّن الوله واضطرمت الصبابة… بُسط للعاشق العارف المِهاد، وشُرِّعت أمام السالك الصادق الأبواب، وسَلُس للمتيَّم المستهام “البراق” وانقاد!

والركب بأجمعه، بملايينه، دون استثناء، يحلِّقون في هذا الفضاء ويسبحون في هذي الأجواء، وإن سبق بعضهم بعضاً، على قدر المعرفة ورتبة العلم ومبلغ الورع والتقوى، ومنزلة المرء عند سادته ومكانته لدى أئمته. لكن الجود هنا غالب حاكم، يسبق كلَّ عدل واستحقاق، ناهيك بالشحِّ والبخل وما يحدُّ من العطاء. اللهم إلا ثلَّة تبعث على الشفقة والرثاء، كانت تحمل غير رايات، وتتنكَّب قوساً يرمي نحو القدس وزعامات ابتاعتها، وغايات دونها كربلاء، فكانت عنده أمراً طريقياً لا موضوعياً ذاتياً (كمن أرادها للوضوء وادخر صلاته للقدس والأقصى)! وكنانة تحمل سهاماً تستهدف غير غرض، لتخلط وتوهم وتُلبس وتشكِّك، ولكن حتى هؤلاء ـ من عجب ـ قد عمَّهم النفح، ونالهم الفضل جزاء تكثيرهم السواد! إلا أنهم ضلوا أرضيين، وبقوا أسرى جهالاتهم ورهائن أهوائهم وضحايا أغراضهم وأمراضهم، ولم يحلِّقوا مع البقية في السماء، ولا اغترفوا أو نهلوا من ذلك الفيض والعطاء!

والجموع تجدُّ في طَي المنازل، تقطع مفازة وتصرم شُّقَّة، وقد حفَّت ضفاف الطريق وقامت على جوانبه الرفعة والحظوة، وانبسط في رِحابه الألق والعظمة، وحضرت على مداه الوجاهة وأُتيحت السيادة، وكلُّها في المتناول وعلى مرمى عصى أو حجر! والزائرون ينسابون، تارة كسيل يجرف انصبابه كلَّ شيء، ويغمر تدفق كماله كلَّ ظُلمة ونقص وحيف، ويجلي جلاله كلَّ قبح وشين، وينتصبون أُخرى كباسقات السرو وشامخات النخيل، ويَقرُّون ويثبتون كالأوتاد، بل كالجبال والأطواد، وهم يعتلون ذراها ويتسنمون قممها، ثم يغرسون في الدرب الأعمدة ويقيمون الأساطين، لا يطوون الأرض على تعدادها، بل هي التي كانت تتقدم نحوهم وتتقرَّب إليهم، تستقبلهم على المشارف وتتلقاهم على الأطراف، ومع نداءات خدَّام المواكب: “هلا بالزوار”، هاتف ليس من جنس الأصوات، قد عانقهم وراح يغمرهم بالأحضان!

ولست أدري، هل هي الصورة الأجلى والمنظر الأحلى، أم هو ما أخذتني إليه همومي ونقلتني إليه آلامي ومعاناتي، فيممت شطره؟:

كان وقع خطاهم يهزُّ عروش الأوهام والضلالات، وتحت وطئ أقدامهم تُسحق عظام الحداثيين المضلِّين، وأمام قاماتهم الشامخة وهاماتهم الرفيعة تصغر البدع وتموث المحدَثات، وتتبدَّد الأباطيل وتنقشع سحب الزيف والأكاذيب، ويرتد طرف المطامع خاسئاً حسيراً.

هذه رجوم الشياطين تقدح من أقدام الزوار، وتتطاير جمرات ترمي “الحبتري” وهو يلوذ بحمى “دولة الإسلام”، و”مومس الأحساء” يتسوَّل الإجازات ويستجدي الوكالات من هنا وهناك، يلتمس ما يداري عار العزل وفضيحة الطرد من جنة الاستئكال، و”ميثاق العسر” في لندن يحكي أبي رغال، ويهوي بمنطقه إلى حضيض خطاب العوام، و”دهيني” في بيروت يقيم لشمر بن ذي الجوشن حزباً وعصبة، ويبني لنفسه مجداً وشهرة، ولا يبالي أن تأتيه من البول في زمزم!

على مدى المسارات الممتدة كالجذور والمتشعبة كالعروق، أو اللامعة في ظلام الليل كشُعب الشُهب والبروق، تصب وتنتهي في كربلاء، رأيت الشيطان خاسئاً ذليلاً مستسلماً، قد أعلن الهزيمة وألقي القياد! كان يتجرَّع غصصاً ويتلوَّى ألماً ويتقطَّع حسرة ويتميز غيظاً وحنقاً… ومن هنا سمعت أزّاً ورأيت هزاً، عن ارتجاف واضطراب، كأنه في قِدر يغلي، يستغيث فيغاث بماء كالمهل يشوي وجوه أتباعه، وقد لحقته من فجعته صرخة أذهلت حزبه ورهطه!

تركتُ الظلمة والأشرار، ويمَّمت شطر الزوّار والأخيار…

لم ألحظ الكرم والجود ولا استوقفتني صوَر التكافل! ولا لفتني النظم والتواد والتراحم، أو حتى بعض التدافع والتسابق والتزاحم، ونزر أخطاء ناتجة عن الارتجالية، و”وفوضى” من انعدام التخطيط، والحرية المطلقة!

لا شيء من هذه الصوَر طغى وغلب، بل كلها تضاءلت ـ من عجب ـ أمام مشهد ملكوتي يلتقط منظر هؤلاء المشاة و”أيقونتهم”، صورة لهم (لعلها أشكالهم في عالم المثال) ترتسم فوقهم، أكثَف من الأرواح وألطف من الأجساد، تسبح في غدير الولاء، وترفل في رحاب الجنان، وقد أفرغوا في قوالب الكمال، وظهروا في ألطف نشأة وأعدل تكوين وأكرم طينة. وقد لمحت صاحباً لي فذهلت من مرآه وصعقت لمشهده، وكيف بدا صبيح الوجه، مشرق الجبين، بديع المحاسن، معتدل الأعضاء، كأنه وسم بميسم الحسن وتسربل بالملاحة وارتدى البهاء والقسامة! وبعد، فقد كانت الكمالات الروحية تنطبع مع الأشكال الحسية والجسمية، وتندك في الأبدان وتتداخل، فتظهر الصفات المعنوية كهالة تحيط بالأجسام، بل في نور يشع منها، أو شعاع ترسله فينفذ في نفس الرائي، فيحضر في روحه فيلتقطها ويعرفها عن المرئي المنظور! إنهم في أسلم فطرة وأقوى جبلَّة، قد طبعوا على الكرم والأريحية، ونحتوا على العفة والمروءة، طوي عنهم الشر، وصرف كل سوء ونقص!

كانت الأنوار تغشى كل شيء، ورعيل يتساءل: من هؤلاء؟ فيأتيه الجواب ليسوا ملائكة ولا أنبياء، إنهم زوار الحسين… هكذا رأيتم، ومن شاء بعد هذا فليهزأ ويسخر ويحارب ويكافح، فلن يعطب إلا روحه، ولن يفسد إلا نفسه، ولن يخرب إلا بيته. ألا هل بلَّغت، اللهم اشهد.

Advertisements

ارحموا الخامنئي وصارحوه

يحكى أن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، أمر في إحدى “نوباته”، بشن حملة للقضاء على ما أسماها بالآفات الأربع: العصافير، البعوض، الذباب، والفئران، كونها علل انتشار الأمراض وإتلاف المحاصيل. اتَّبعه ـ بطبيعة الحال ـ الحزب، وامتثلت له الحكومة، وقامت حملة شعبية لإبادة الحشرات واصطياد الفئران وقتل الطيور، لجأت إلى مختلف الطرق وشتى الوسائل، حتى نجحت في ذلك إلى أبعد حدود… ولكنها بعد سنين، اكتشفت أن الفكرة أفسدت أكثر مما أصلحت، فقد تسببت الحملة بانتشار الجراد، ما أفضى إلى مجاعة راح ضحيتها أكثر من 20 مليون نسمة!

هناك معطيات أساسية خافية علينا كشعوب، حول كيفية صنع القرار السياسي وما يدور في أروقة النخب، ويجري على صعيد الدول، معلومات لا يمكننا، دون الوقوف عليها والإحاطة بها، أن نحسن تقييم الحكومات، فنحكم أن سياسة الجمهورية الإسلامية مثلاً، وقرارها هنا كان مصيباً، أو أن فعلها وأداءها هناك كان “مصيبة”! وكثيراً ما يواجهنا أتباع إيران وموالوها بأن ولي الأمر أدرى بالمصلحة وأكثر حرصاً على الدولة الإسلامية ودماء الشهداء. وما زال هؤلاء يفسدون الرجل بالمدح والإطراء، ويخدعونه بحجْب النُصح ومنع النقد، والذهاب في التعظيم وكيل الثناء، والمبالغة في التبجيل وأسباب الإغواء، حتى قدموا قراءة جبرية لحركة التاريخ وفعل الإنسان، ترى أن إرادة الله تجري وتتحقق على يدي الولي الفقيه، فما يرتكبه من أخطاء هو إملاء الغيب ووحي السماء، فلا بأس بعد هذا ولا غضاضة!

لكننا نطوي عن هذا كشحاً ونسلِّم جدلاً بأننا لا نفهم في السياسة، ولا نحيط بأسباب أو نملك معطيات صنع القرار، ونجهل أسرار وخفايا اتخاذ الموقف، لذا لا نحكم على ما تعاني منه الجمهورية الإسلامية في ملفات العراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين وباقي الخليج، وكذا الملف النووي، بأنه إخفاق مريع، ولن نصنِّفه تورُّطاً واحتباساً في عنق الزجاجة، أو ضرباً من الغصَّة بالموسى، ولا نحسب الأزمة الاقتصادية، وانهيار العملة الإيرانية فشلاً ولا هزيمة واندحاراً… بل سنراها ـ كما يريدون ـ نجاحات وانتصارات، بمناسبة قدرة إيران على الصمود أمام مؤامرة عالمية كبرى تستهدفها.

ولكن، في المقابل، هناك بديهيات في الحياة، يدركها حتى غير المتخصص في الحقل، فيعلم غير الطبيب أن التخمة مضرة بالمعدة، ويفقه غير المهندس أن المباني القائمة على الخرسانة المسلحة بالحصى والحديد، أقوى وأكثر استحكاماً من المبنية باللبن والطين والتبن… وفي عالم السياسة يعلم كل عاقل أن مَن يخوض حرباً مصيرية، عليه أن يحيِّد الجبهات الجانبية ويوقف المعارك الهامشية التي تشغله وتستهلك جهده وتستنزف طاقته، أو تبدِّد قوته وتضعضع جبهته الداخلية. إن إدارك ضرورة تخفيف الأحمال عند صعود الجبال، لا يحتاج إلى علم وتخصص، ولا فلسفة وفذلكة! فهذا بديهي لا يختلف عليه اثنان، ولا سيما حين نشهد ذلك في الأداء الأمريكي نفسه، وهو يعمد إلى تحييد الجبهة الكورية وإغلاق الملف هناك، ليتفرغ لمعركة أهم وأخطر عنده.

منذ نحو أربعة وعشرين عاماً والجبهة الشيعية الداخلية تنزف مع بداية كل محرم، تقضي الموسم الحسيني كله وتنشغل من مطلع العام إلى الأربعين وحتى نهاية صفر، بمعارك كلامية طاحنة، وحرب إعلامية شعواء، وتراشق وعراك لا يوفر وسيلة وأداة. في كل عام صارت لنا واقعة وملحمة، نتبادل فيها الطعن والتسفيه والقذف والتخوين، فتهدر الإمكانيات وتُبدَّد الطاقات وتستنزف الكفاءات! وما زلنا في هذا، لا يكفُّ طرف أو يُمسك، وهو يراه تكليفه الشرعي وواجبه العقائدي، وميداناً وجبهة يذود فيها عن دينه.

إنها محنة طاحنة قاتلة، وفتنةٌ مُهلكة مدمِّرة أشعلتها القيادة الإيرانية، وشخص السيد القائد، في آخر ذي الحجة 1414، الموافق 9/6/1994، ما انفكت تذكيها وتسجر لهيبها منذ ذلك الحين! وما زالت تلقي في محرقتها الضحايا وتقدم في سبيل “فيضانها” (على عكس الهدف من عروس النيل) القرابين، وإن كانوا من أعز الرموز وأغلى الذخائر! وآخر ضحاياها كان السيد نصرالله، الذي فقد شعبيته في أوساط السنة والشعوب العربية ظلماً لدخول حزبه الحرب في سوريا، وها هو يفقدها في أوساط الشيعة حقاً لتدخُّله الظالم في الشعائر الحسينية!

دعك عن أدوات المعركة التي يخوضون ووسائل القتال التي يستعملون، وكلها خطاب عوام ولغة تحاكي الأغبياء، تطرح الأكاذيب أو تصوِّر ممارسات شاذة مغمورة محدودة لا تتجاوز نسبتها 01% من مجموع الشعائر الحسينية، فلا وجود للزحف على الزجاج ونباح الكلاب ونطح الجدران أو التطبير بالعصي والألواح ولا اللطم بالنعال، إلا في إعلام مَن يزعمون محاربها! إنها مواد مختَلقة (وفي أسوء الأحوال مضخَّمة ومهوَّلة) لا يروِّجها ويشيعها إلا أعداء الشعائر. والمأساة الكبرى والفاجعة العظمي تقع عليهم وتصيبهم في الحالتين، سواء أكانوا يعرفون أنها أكاذيب، أو كانوا يؤمنون حقاً بأنها تشكِّل خطراً، راحوا يحاربونه كما يبارز “دون كيشوت” طواحين الهواء، فانظر في أي وادٍ تهيم القيادة “الواعية”، وتأمَّل من بعدُ في حال المحازبين والأتباع!

ودع عنك التبجُّح بمقولة الجهاد وأن عطاء عاشوراء هو في الثورة والقيام، لا البكاء والعزاء، فلا أحد يعبث بمفهوم الجهاد كما تفعل إيران وحزب الله، الذين تفوَّقوا على جميع أحزاب العصر ودول الزمان في البراغماتية، والتماس الصيَغ العملية التي تلتف على المبادئ والأخلاق. وها هم أتباع السيد القائد ـ بأجمعهم ـ خارج إيران قاعدون خانعون!

هل يحسب الخطاب الإيراني والحزبي أن سخافته وتهافته يمكن أن ينطلي على المؤمنين الأكياس والموالين البصراء؟ وهم يعيشون الساحة بجميع أبعادها، فلا يرون شيئاً مما يعاب به عليهم، من الصغائر التي يعظمها القوم والنوادر التي يضخِّمونها ويهوِّلونها، فالملايين التي تحضر المجالس وتعمر الحسينيات وتزور العتبات، لم تر شيئاً مما يدَّعى ويزعم!… فعلامَ الصرخة ومِمَّا التباكي والشكوى؟! وكذا الأمر في الوجه الآخر المطروح للمعركة، أي الجهاد والقيام، كيف لنا أن نصدِّق هذه المقولة ونحن نرى حمَلتها من الغارقين في المال والتجارة، قد غمرهم الرفاه والترف، أخلدوا إلى الأرض حتى التصقوا بها بعد أن اثاقلوا إليها، وهم من أكثر الناس ولاءً لأنظمة الجور وأبعدهم عن المعارضة! اللهم إلا الصورية التي تتحرك في نطاق اللعبة وتدوير الزوايا!؟

علينا أن نبلغ السيد الخامنئي ونقنعه، وهو أصل المشكلة وأساسها، ومن بيده حلها وإنهاؤها، بأن العجز والضعف ليس فيه هو، إنما هي قوة الحسين وشعائره وكل ما يتعلق به وينسب إليه، ولو اجتمعت كل أنظمة الحكم في العالم لتقف في وجه الشعائر الحسينية لعجزت وأخفقت، فلا يستنكف أن يعلن هزيمته، ولا تأخذه العزة بالإثم أن يتراجع. علينا أن نرفع أصواتنا علَّها تتجاوز الأطر الحزبية والنطاقات المخابراتية التي تحاصره:

سيدنا الجليل، لا تصغ لبطانتك، ولا تركن إلى ما يُرفع إليك من تقارير، فكُتَّابها يخشون انقطاع المدد، وتوقف الأموال التي تغدقها عليهم.. إن ما قمت به هو كارثة أوهنت البيت الشيعي، وضعضعت أركانه حتى لاحت نذر تقويضه وانهياره. وهو عمل يجانب أوليات الحصافة والحكمة، ويباين بديهيات التعقل والفطنة.

سيدنا الجليل، التطبير لا يشوِّه التشيع في أعين الغربيين، ولا هم يبالون به أو يكترثون له، قدر ما تفعل سياستكم وأداء أحزابكم، إن ما يجيِّش الماكنة الإعلامية الغربية والعربية على التشيع والشيعة ليست الشعائر الحسينية، بل سياساتكم الثورية وشعاراتكم ضد أمريكا وإسرائيل والأنظمة العربية بالدرجة الأولى، فإذا كنت حريصاً على رضى الغرب واستمالة العرب، فكفَّ عنهم، يكفون عنك. وعلى أية حال دعنا نحن وديننا، ولا تقحمه في حربك مع العالم، فالدول والأنظمة تنشأ وتزول، والتشيع باق، ظهر الأدارسة في المغرب، وأسس البويهيون دولة في العراق وفارس، وظهر الحمدانيون في سورية والموصل، والفاطميون في مصر، والصفويون والقاجار في إيران، ودولة أوده في الهند، وكلها رحلت وزالت، ولن تكون الجمهورية الإسلامية بدعاً في التاريخ ولا بيضة الديك… لكن التشيُّع باق إلى الظهور الشريف، وهذه الشعائر هي من أعمدة بقائه وأسرار دوامه.

وكما لم يكن الإمام الخميني رحمه الله “رجل من قم” (وقد أتيناه زحفاً على الثلج) يسلِّم الراية إلى المهدي المنتظر عليه السلام، كذلك لست أنت الخراساني، ولا السيد حسن هو اليماني، ومن المؤكد أن أحمدي نجاد لم يعد شعيب بن صالح!

كتبت هذه المقالة في ردِّ أخ كريم، تبجَّح وهو يرخي رجلاً على أخرى، ويرتشف قهوته بهدوء، ويتعمَّد إظهار ساعته الرولكس “الجيليني مون فيس”، تخطف أنظار أضرابه في معصمه، بأن انهيار التومان لا تأثير له على إيران. فسألته: ماذا لو كنت تملك عشرة آلاف دولار، هي مجموع مدخرات عمرك، ثم أخبرك المصرف الذي أودعتها فيه، بأنها صارت ثلاثمئة دولار فقط لا غير، ما هو شعورك؟! سكت “الثوري” عن الجواب، وقلب الموضوع إلى السؤال عن سبب مقاطعة المؤمنين مطعم الساحة الذي يملكه فضل الله، ورفضي دعوته للغداء هناك؟!

هذا هو نطاق المعركة عندهم وميدانها، القوم عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، وأسفي على درر في زهرة العمر وريعان الشباب، راحت ضحية الإغواء.

أكتب قصة صديقي هذا آمناً من لومه وعتابه… فهؤلاء لا يقرأون!

عند الصباح، يحمد القوم السُّرى

إن عاجلاً أو آجلاً، سيأتيكم الموت الزؤام، وتفطسون من غير ميعاد، ستلتف الساق منكم بالساق، وتُسمع من حناجركم حشرجة وفي صدوركم غرغرة، أشبه بالنخرة والشخرة، من احتباس النفَس الأخير، حين لا يخرج ليعود، حتى تُسلِموا الأرواح، وتتركوا الأبدان التي تهالكتم في إرضائها، وطلب النعيم لها، هامدة، بين ورثة يسارعون إلى ما جمعتم وكنزتم، وسيبتلى التعساء بتركتِكم، ويتلوثون بما خلَّفتم لهم من سحت وقذَر! عما قريب ستنتهي المغامرة وينقضي السفر، سيصيح بكم سائقكم فترحلون، وتتركون هذا المنهل الحلو الذي تكرعون منه المال والجاه، وتستقون السلطة وتزعبون الشهرة، وستغادرون اللذات التي فيها تقيمون وتتنعمون، فينكشف لكم وترون بأعين زال عنها الغطاء، أنها كانت حميماً تشربونه غساقاً، وعلقماً تتجرعونه زعاقاً، وسم أفعى تسقونه دهاقاً، وقلادة من نار تهقكم (كما الأنشوطة وحبل المشنقة) خناقاً…

سنموت وتموتون… والعالم القادم لا فضائيات فيه ولا افتراضيات، لا دول تسود ولا حكومات تبطش، لا أموال تغري ومناصب ورئاسات تغوي، ولا أحزاب تمنع وزعامات تدفع، لا مخابرات ترعب ولا دعايات تخيف وتهاب. لا لَبْس هناك ولا زيف، لا تضخيم لتوافه ولا تعظيم لحقراء، لا مبالغة في قليل ولا تهويل ليسير. ما هي إلا الحقائق، تتجلى وتظهر، تحكم وترغم وتقهر، وأربابها في عزٍّ وزهو وظفر، يرفلون في رياض الجنان، وأنتم ترددون: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من السذَّج البسطاء، وغير المثقفين الجهلاء، والعوام المشوهين لصورة الدين، والغافلين عن مواطن الجهاد والمنشغلين بإعداد “القيمة” ومسح أحذية الزائرين، لاهين بهذا عن نصرة قضية فلسطين!

سترون كيف تنقلب دمعة واحدة أريقت على الحسين إلى بحر زاخر بل محيط متلاطم من الأنوار، وكيف يمكنها أن تغمر ظُلمة المعاصي والذنوب، فتتلاشى في غمارها، بل تتبدَّل وتستحيل وتلحق بلجَّة تعلوها، كأنها تعزِّرها وتؤدبها، أو تخفيها وتداريها، فلا يُفتضح صاحبها، لتصير نوراً وتنقلب حسنات! وستشهدون ـ من بعيد ـ قصوراً وأنهاراً وجنات، كلها تولدت وخلقت من نفَس مغموم وزفرة مهموم لمصاب سيد الشهداء، بل من محض تكثير السواد في مجالس الرثاء، والمشاركة بأي نحو في إحياء ذكرى كربلاء…

اعقدوا أنتم هنا الندوات وأقيموا المؤتمرات، اصنعوا الأفلام وركِّبوا المشاهد وافتروا الآراء، انسجوا خيالكم بساطاً وحيكوا أوهامكم غطاءً ودثاراً، افترشوا ذاك والتحفوا هذا، وناموا ما نامت أعين الفجرة الأشقياء، واعلنوها في محطاتكم وقنواتكم أنكم انتصرتم وحققتم ما أراد السلطان منكم، وبلغتم رضى الشيطان عنكم.

دلِّسوا ما استطعتم على الناس، حرِّضوهم على ترك الحضور في المجالس بهراء ضرورة إصلاح المنبر وتطوير الخطابة. ابعثوا فيهم الاشمئزاز من أنماط العزاء بقصص تقزُّز الأجانب وحكايات استهجان الأغراب، اسلبوا عن سيرة عاشوراء وهج بطولاتها، وأزيلوا منها فجعتها وحرقتها، وألغوا امتيازها وخصائصها ومستثنياتها، نزِّهوها عن الأساطير والخرافات، بتشكيكات ومزاعم الوضع في السيرة وضعف السند وعدم الاعتبار، واخلطوا بين الفقه والتاريخ في الثبوت، وبين العقل وسقيم أفكاركم، والغيب وحسيَّة عقيدتكم، فما يُدري العوام؟ ألِّبوا الناس وحرِّضوهم على الإمساك عن البذل، ووجهوا الأموال لتزويج العزاب وإعانة الفقراء، بل للقيام بمهام الدول والحكومات من بناء المدارس والمستشفيات، وشق الطرق وتشييد الجسور، وإقامة محطات تحلية المياه. اصرفوا الأطفال عن هذا الفضاء العرشي واحرموهم الأنفاس الملكوتية المترددة في هذه الأجواء، وخذوهم إلى حلقات حزبية بحجة خطاب يناسب أعمارهم، وثقافة تنفع تربيتهم. عبئوا الشباب لحملات نظافة الشوارع وقوموا بدور البلديات، المهم أن تفرغ المجالس ويحرم النجباء من الاستماع، وماذا عساهم أن يستمعوا غير مكررات؟! أقيموا محترفات الرسم، ومسابقات الأرقام القياسية لغينس، وادعوا ـ أي أرباب التجديد ومواكبة العصر ـ للبقاء في البيوت وراء التلفزيونات والاستماع لمحاضرات الستينات والسبعينات! المهم أن تخلو المجالس وتضعف الشعائر…

سترون كل هذا أمامكم… وعند الصباح، يحمد القوم السرى، فلا تبرير يجديكم ولا مزاعم تنفعكم ولا احتجاجات تنقذكم، فالسرائر هي التي تنطق وتصرِّح وتشهد، وتنادي بأنكم كنتم تمتلئون حنقاً من المجالس والمواكب، ومن البكاء والرثاء، لن يجديكم أي دفاع، لن تنطلي هناك أكاذيب الإصلاح. والقلة القليلة من الحمقى والمستغفلين منكم، سيواجهون بعشرات المرات التي تمت فيها الحجة عليهم، وساعات قضوها في غير شأن، لم يصرفوا دقائق منها للتثبت والتحقق من هذه الحقيقة.

عيشوا القضية وعياً كما تدَّعون، وخذوا الناس إلى الجهاد تحت راية الضلال، والنضال صفاً مع الإخوان المسلمين وحماس، عظِّموا علي شريعتي وسيد قطب وحسن البنا والطليعة الواعية من الأمة، وإن لم تذكروا الأسماء، واكبوا التطوُّر العلمي، وتحدَّثوا عن الصناعات والاختراعات، واقلبوا الحسينية كلية علوم وأكاديمية، جاروا التمدن والتحضر، واستلهموا من الملحمة الحكَم ومن السيرة العِبَر ثم اعملوا ـ إن صدقتم ـ بها، عيشوا عُقدكم وحقارتكم وضعتكم واظهروا بما يُرضي الآخر عنكم، ولن يرضى حتى تكونوا منه ويكون منكم! اسعوا سعيكم وتهالكوا حتى تتقطع أمعاؤكم وتتفتت أكبادكم، وتسكت عن الخفق قلوبكم حنقاً، وتموتون غيظاً وكمداً…

لن نترك الحسين، سنبقى كما نحن، نجتمع ونبكي ونلطم ونطبِّر، وسنمضي نقيم المواكب ونُطعم، نجلل الدنيا سواداً ونملؤها ضجة ونواحاً، نمسح على جراح المولى، ونواسي شفيعتنا الزهراء..

نحن وأنتم هنا في ليل بهيم، ومسرى مضنٍ عصيب، تحفُّه الأخطار وتكتنفه الأهوال، نكدح كدحاً، نثني فيه على الأفكار والأشخاص ونقرِّض ونمدح، أو نهجو ونشين وندين ونقدح، كلٌّ يغني على ليلاه ويتمسك بدعواه… وهناك ستقرُّ ليلى بحبيبها، وتنبذ الكاذب والمتاجر، أو الجاهل الواهم. أنتم في جبهة ونحن في أخرى، أنتم فريق ونحن فريق، وسنرى غداً لِمن الفلج والظفر، ثكلتكم أمهاتكم، وأراح الله العباد من شروركم والبلاد من فتنكم، هذا سلاحنا، قد شهرناه، وسهامنا قد أرسلناها ندرأ بها في نحوركم، ونحن من بعدها أحلاس مآتمنا ونزلاء مواكبنا، لا نبالي بكم ولا نكترث لضجيجكم، ولا نحمل من همٍّ إلا أداء ما يسعنا تجاه سادتنا.

ذرني والمكذبين أولي الشقوة…

هذا تأوُّد مشتاق ينبعث مبحوحاً خافتاً، وحنين ملتاع ينساب شجياً وامقاً، يتصاعد شيئاً فشيئاً ليغدو ضجَّة ويصبح جَلجَلة، صُمَّت عنه الآذان ووقرت دونه الأسماع… دويُّ ملائك وهزج جان، تتخلله صرخات وصيحات تبلغ في ذروتها عولة مفجعة تصكُّ سمع الملكوت، لتهدأ بعدها وتغيب، كأنها تلتقط أنفاسها وتستجمع قواها، فتزيل الرهق وتزيح الملل وتنفي الفتور، ثم تعود لتعيد الكرَّة بعد الكرَّة!

لا تدري مَن يقيمها فيُفجِع، ويرفعها فيُصعِق، ويُرسلها فيُزلزل! ولا كيف غفل عنها سكَّانُ العالم، وسهى أهلُ الملك، ولهى أبناءُ الحسِّ وأسرى الشهود، يمضي كلٌّ في شأنه، ويعيش حياته، والضجة قائمة والجلبة متصاعدة ناهضة، تعمُّ الأركان وتملؤ الأرجاء من حولهم؟ فيتدارك هاتف العقل ونداؤه: بلى، وإلا لَصَعق ما ومَن في الوجود،  وطُوي الفرش إلى العرش، وقامت القيامة الكبرى!

دويٌّ بلحن تعديد، ونوْحٌ بطوْر ترتيل ولعلَّه تغريد، لست أدري، فالمرء لا يتلقاها واضحة، ولا تامة كاملة (ولو فعل ـ وهي لكل متلقٍّ سامع أمله، ولكل عاشق شائق أمنيته ـ لحانت في الآن منيَّته)، هي موجات عابرة  من همس وحنين تطرق في سكون الليل مسامع اليقظى، يقظى البصائر عن الضلال والتيه، لا العيون عن النوم والتهويم، ولا الأبصار عن اللبس والغشاوة. أو هو نواح وأنين وزفير ورنين، يدهم نهارهم، تصاحبه في أحيان هدهدة تكاد أن تنخلع معها القلوب وهي تهوي بها من علو، ثم تعود لترفعهم من جديد فتبلغ بهم موضعاً يقفون فيه على كُوَّة تنكشف منها الوقائع ويطلَّعون عبرها على الحقائق، تتجلى أمامهم وتظهر متلألئة، لا يعتريها ريب ولا يشوبها لبس، قد سُدَّت دونها أبواب الشياطين، وحيل بينهم وبين النيْل منها بتزييف أو قلب وتحريف، فلا تختلط عليهم بعدها الأصوات وتتداخل، ولا تلتبس المشاهد وتتشوه الصوَر. ليلتقط كلٌّ من دُرر كنوز تلك الحضرة ما يطيق، وينال ما قدَّر له وفُتح عليه من رُشْد وتوفيق.

أصوات تأتي بين الفينة والأخرى، يتلقاها أهلها، فينزل بهم البهت ويعتريهم الوجوم والذهول، فيعجب الغافل الأصم الذي ما وعاها، ويخالهم الأطرش الذي لم يسمعها، أنهم خولطوا، وأن المُطرِق الصامت قد بكُم، وهو في ثمل النشوة، وسُكر الجواب على تجدِّد نداء: “ألست بربكم”؟ يتمثَّل قول حافظ:

برو اى زاهد وبر دردكشان خرده مكير

كه ندادند جز اين تحفه بما روز “الست”

إليك عنَّا معشر المكلومين، يا مدَّعي الزهد (والتحقيق العلمي)، فإنَّا لم نتلق غير هذه التحفة في أول خلقنا…

أو قول ابن الفارض:

شربنا على ذكرِ الحبيب مدامة ً

سَكِرْنا بها، من قبلِ أن يُخلق الكَرْمُ

إن هذا القليل الذي يسمعون، والنزر اليسير الذي يأتيهم في إرهاصات ما يرتقبون، هو كاف، ليقض مضاجعهم ويسهد ليلهم، ويأخذهم في الفكرة والحسرة، ما يذهلهم عن معاشهم، بل معادهم! وقد تلمَّس شغاف قلوبهم، وتحسس جذورهم وأصولهم، كأنه يجلي نقي معدنهم، ويعيد إليه بريقه وإشعاعه وتلألأه، الذي جاءهم من عالم الأظلة والذر والأصلاب، حتى استقر فيها، فما زالوا في تحفُّز لا يقر، وثورة لا تهدأ، يتحينون ميقات الوفاء، وينتظرون ساعة الأداء.

مع اللحن الذي يشنِّف أسماع هذه النخبة المنتجبة المستأثَرة، المكلَّفة ـ دون سائر الخلائق ـ بإقامة العزاء.. تنزل بهم “لوثة” العشق، ويستطير جنون الهوى، وتهيج لواعج الغرام، ولا تسلهم عنها، فهم بين متيم في شغل عن الإجابة، وعارف كامل لن تفهم خطابه. يسمعون النداء فيستعيدون أيامه، ويستعدُّون للقائه… عندها، على أبواب محرم وموسم العزاء والبكاء، ترى الرايات تُرفع، والأوتاد تضرب، والأطناب تشدُّ، والخيام تنصب، والسرادقات تقام، وفساطيط ضيافة الباكين على الحسين تنتشر في أرجاء المعمورة وتستولي على بقاع الأرض، وهي وإن كانت تستوي على أديمها، وتستقر على سطحها وظهرها، لكنها ـ في واقعها ـ تحتوي الفضاء وتجلل السماء وتظلل العرش، والحُضَّار فيها من الملائك وسكان السماوات وأرواح الطيبين، أضعاف شهودها من الإنس والجن الحاضرين. إنها أوتاد ترسي رواسي البسيطة أن تميد بأهلها، وتمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذن ربها.

إنه نداء العشق تحمله رسله، يبلغ أهله، ولا ضير إن جحده خاسر، وأنكره شقي مغبون، يأْتمُّ بفاجر ماجن…

“ذرني والمكذبين أولي النعمة”، وقل إن شئت: ذرني والمكذبين ذوي النقمة، الذين لا يطيقون رؤية الحق ويعجزون عن سماع هاتفه وندائه. أو قل: ذرني والمكذبين أرباب السلطة، الذين يرمون سهامهم على معالم مذهب أهل البيت وشعائر إحياء أمرهم، لعلَّ ذلك يبلغ أميرهم فيحظون بحصة من مال وجانب من شهرة. أو قل: ذرني والمكذبين ذوي الهول والكارثة، الذين يدمِّرون الدين، ينالون من دعائمه ويقوِّضون بنيانه، ولك أن تقول فتصيب مقتلاً وتصمي: “ذرني والمكذبين أُولي الشقوة والشيطنة”…

هرفٌ ولغو وتشدُّق وتنطُّع، ما ضرب عرق التحقيق العلمي فيهم إلا على استحالة خصوصيات عاشوراء وكربلاء، ولم يزهر فكرهم العليل، ولا أفاقت أرواحهم المريضة، إلا على الاستخفاف بالعقائد والولاء، ولا “التحقيق” إلا لبثِّ الشك وزرع الريب، وكأن جوهر “العلم” انقلب، فصار ما يقدمه “العالم”، هو التساؤلات والتشكيكات، والنيل من الإيمان واليقين، لا الربط على القلوب وتثبيت المؤمنين، والذريعة الشيطانية الدائمة: نفي البدع وتنزيه الدين!

طفل في الاستدلال، وغرٌّ في عالم المعارك العلمية، لم ير النجف الأشرف في صيف، ولا مرَّت عليه قم المقدسة في طيف، يحسب الاجتهاد مثل إعداد الكشك أو صنع البرغل، يغسل القمح ويسلقه، ثم يجففه ويقشره، فيعبِّئه بأكياس ويسوِّقه. هكذا يتم الأمر، يقارن بين المعارك، ويقايس بين قتلى علي والحسين، يطرح هذا ويستبعد ذاك، ثم يعلِّب النتيجة وينشرها. لا يشعر أنه في هذا الميدان، تائه بين الأقدام ومطمور تحت الركام، فيتبجَّح: الرأي عندي، والقول مني، والمختار لدي! ويعلن باختيال بأنه يريد إصلاح المذهب! لتتداركه الشياطين بنداءات الإسعاف والإعجاب، فيصدِّق المسكين نفسه ويوغل في دربه!

نماذج ناطقة وشواهد جلية على استحواذ الشيطان، وهل تراه يأتي مؤمناً ملتزماً فيغريه باغتصاب امرأة ذات بعل؟ حتى يسوِّق له ويسوِّغ أولاً برضاها فينفي الغصب، ثم بهجر زوجها، فينفي البعولة العملية، ثم بالانفصال النفسي والطلاق الروحي بينهما، وهكذا حتى يصوِّرها له خليَّة، يجوز وطأها! وكذا في سرقة المال، يزيِّن له أن صاحبه جناه من غصب وجمعه من سحت، وأنه يظلم عماله ويغش في بضاعته، أو أنه لا يخرج خمسه، فلا إثم على من “يستنقذه” منه ولا غضاضة!

هكذا يأتي الشيطان أنصاف بل أعشار العلماء، يزيِّن لهم الشبهة دليلاً، والمغالطة حجة، والاجتزاء والاقتطاع وتضييق الخناق وحصر النطاق وتجاهل المخالف وإغفال المعارض ويصنع منها ملاكاً، ليخرج بنتيجة تهز الموروث وتهزأ بآراء أساطين الطائفة وأعلامها كالكليني والمجلسي!

أي إخوتي الأعزاء، فما زال جَزرٌ يأخذ بعضهم ومدٌّ يعيدهم، وما انفك الاضطراب يحكمهم، لم تصرعهم الشياطين بعد، وإن راحوا يطفرون معها ويلعبون لعبتها، فحقَّت لهم النصيحة، وإن قست، فمن حرص وشفقة، وكأنه النداء الأخير قبل إقلاع أو إبحار “السفينة”، فالاصطلام والهلاك بالتخلف عنها!.. لا جبل الحزب يعصمكم من الغرق، ولا إعلام الضُلَّال وسطوتهم تخلِّصكم من الطوفان، وتسعفكم بأطواق نجاة. عودوا إلى رشدكم واعرفوا حجمكم وقدركم، والزموا الصمت، فلا تكتبوا حتى تنضجوا، فإن غلبكم التحفُّز وقهركم الشوق، فليكتب كلٌّ لنفسه وليستشر أهل العلم والدين، ولا ينشر…

ولهم أن يتدبروا في “ميتافيزيقيا” قرآنية تحكي عن براق بسرعة “الكونكورد” على الأرض في مسراه، و”أبولو” أو مسبار آخر، في السماء بمعراجه؟ وكائنات غير بشرية، تغوص في الأعماق وتصنع لسليمان ما يشاء من محاريب وتماثيل؟ وصرح ممرَّد لبلقيس يُنقل من سبأ إلى بيت المقدس بطرفة عين؟ وذي القرنين، وأساطير الرومان والإغريق! ترى، لماذا يكلمنا الله بخطاب يخلق “تضخماً في المنتج الديني” و”أهرامات مشوهة” (يريد مقلوبة أو منكوسة) و”صروحاً” فرعونية و”مسلَّات” مدببة، يصرُّ بعضهم أن يعلوها، يحسب أنه سيعلو شأناً ويزداد شأواً!

هناك مئات وآلاف الأسئلة التي يسهل طرحها وإطلاقها، على طريقة الحبتري وفضل الله، يوهم أنها إشكالات تنال من الدين في ثوابته وموروثه، ويزعم أنها إثارات تصلحه وتقوِّمه، ولكن العالم الرباني، والفحل والبطل، هو من يجد الحلول ويقدم الإجابات، لا من يثير الشبهات ويرسل التشكيكات.

من الطبيعي جداً أن لا يطيق بعض الناس صبراً على ظواهر ومظاهر تعجز عقولهم الواهية الهزيلة عن تفسيرها، وتقصر أفهامهم الناشئة على ثقافة غربية سخيفة، وفكرهم المرتهن بتعليم موغل في ترسيخ المادية الحسية، عن إدراكها وتفهُّمها… ولكن، أما للمؤمن الورع عبرة ومزدجر في قصة موسى والخضر؟ أما لطالب العلم الفتي، والشاب اليافع أن يعي حدود علمه، ومستوى إدراكه، وتواضع خبراته، فلا يقحم آفاقاً ويصدر أحكاماً سيعض عليها الأنامل ندماً في القادم القريب؟! إن بقيت له بقية من دين، ولم يخرج ـ كما جرى لغيره ـ من ربقة الإيمان، ويمرق كما يمرق السهم من الرمية؟!

نحن ماضون في الإصغاء وشحذ الأسماع، والسعي لإجابة النداء، نعدُّ العدة لمحرم ونستكمل التهيؤ لموسم العزاء. لا نبالي بنعيب غربان أو غناء كروان، فهذا وذاك في مقولة عشق الولي ونبذ الأغيار سيَّان، كلها منكرات ممجوجة ونشازات ممقوتة.

إننا نصغي لترتيل السماء، وننصت لصوت الملائك يقرع منّا الأسماع، تهتف حي على العزاء… فتستذكر النداء الوتر الذي ناغت به العفيفات أبناءهن في المهاد، واللحن الوحيد الذي تتعرف عليه آذان النجباء: يا حسين!

يبدو أن هراء الإصلاح والتجديد، ومسرحية الحداثة والعقلنة ليست وليدة اليوم، فالشيطان ضرب من قبل كما يفعل في زماننا، وهو ما حمل العارف الكامل الحافظ رجب البرسي قدس الله سره، على ما ينقل العلامة الأميني في الغدير، لينشد:

يا عذولي في غرامي خلِّني عنك وحالي

رح إذا ما كنت ناج واطرحنِّي وضلالي

من مُبلغٌ عنِّي الخامنئي عتابا

لا شيرازية كانوا ولا أعداء للثورة، لا فسقة ولا زنادقة، ثم لا عملاء للأجنبي ولا خونة باعوا ضمائرهم… كانوا مجموعة من المؤمنين الملتزمين الولائيين، الناشطين في هيئات دينية تقوم بإحياء الشعائر الحسينية، مجالس عزاء ومواكب ولطم وإطعام و… تطبير، الذي يتمتع من بينها بالأولوية عندهم، ويحظى بقصب السبق لديهم، لا عناداً للسيد الخامنئي وإرغاماً لإيران، ولا سعياً لإثبات عجزه عن إنفاذ حكمه وفشله في إعمال رأيه، بل لاستهدافه أكثر من غيره، وغدوِّه الساتر الأول الذي يذود عن حمى الشعائر، والسور الذي يحمي القلعة ويدفع عنها. يتوزع تقليدهم بين السيد السيستاني والوحيد الخراساني والسيد الحكيم. لا مطامع تحركهم، ولا مرجعية سياسية تديرهم، لا حزب يقودهم، ولا حكومة تسوقهم.

نعم، هم يختلفون عن المجاميع والهيئات “البسيجية” التي تؤسسها المخابرات في إيران، كمشاريع التفاف ومصادَرة، تُسقط الأصليَّة وتُطيح بالأصيلة، تستحدث في الشعائر وتبتكر، تغالي في “الشور”، وتذهب في بدعة الخلفيات الصوتية المصاحبة للطم والإنشاد، والإيقاعات الخارجة عن وقار العزاء، ولا سيما التمايل والميْد مع اللحن. فإذا حان الحين ودقت الساعة، صار الجزع على علي “الخامنئي” لا “الأكبر”، واللطم على قاسم “سليماني” لا “نجل الحسن”! وبان أنهم عمال للنظام لا خدَّام للحسين عليه السلام.

كانوا يتداولون تداعيات الصراع بين أمريكا وإيران، ولا سيما الانخفاض الكبير في سعر التومان، وما يتلاحق من مؤشرات الاضطراب ونُذُر الانهيار… وإذا بأحدهم يُنشِئ دعاءً مُسجَّعاً: “اللهم أشغل الظالمين بالظالمين، حتى تنتهي عشرة محرم وينقضي الأربعين، وينصرفوا عن تسميم الأجواء على المعزين وتلويثها على الزائرين، واجعلنا بينهم سالمين”، ليردِّد البقية من حوله: “آمين، رب العالمين”! وأعقب ذلك سيل من الوعيد باندفاع شديد، يحكي عن نيات جازمة وعزائم حاسمة، بمواجهات قاسية تتصدى وتطال ـ هذه المرة ـ منبع التوجيه في إيران، وتضرب الراعي الآمر، ولا تكتفي بعد اليوم بالمباشِر!

آلمني المشهد وأزعجني المحضر، وهو يدق ناقوساً، يخبر عن إسفينٍ ضرَب من سنين، بين الجمهورية الاسلامية وأتباع السيد القائد وتياره من الحداثيين، وبين سائر المؤمنين، ولا سيما الولائيين وعشاق الحسين. والجديد أن الصراع بلغ حدود تمنِّي البلاء، والدعاء بما قد يضر، أو لعلَّه يهلك مؤمنين، إخوة لنا في الدين، ويشكِّل نحواً من الاصطفاف مع الأعداء والمتربصين بنا أجمعين. والوجه الآخر في المأساة كان في الردِّ الموجع على اعتراضي، والجواب المفحم لمحاولتي عرض صورة معتدلة للاختلاف، وبيان شكل شرعي للنزاع، فقد قابلوني بمُسرد طويل وقائمة حافلة من موارد الهتك والفتك التي عمد إليها “الإيرانيون”، وشواهد الفجور في الخصام الذي مارسوه على أيدي أحزابهم ومنظماتهم وعملائهم! مما لم يوفِّر صورة من صوَر الدجل والزيف، ولا عفَّ عن رذيلة من الأداء السوقي تجاه أصل إحياء الشعائر الحسينية وذكرى عاشوراء، ناهيك بالتطبير وغيره مما لا يستسيغون. وآخرها “النزعة الزيدية” التي تصادر المذهب من رأسه، وتسقطه وتبطله، بخطاب ثوري يُخرج مَن لا يعمل أو يقول به من الدين، وترسم صورة محدثة مبتدعة عن الجعفرية الإثني عشرية!

من العتْه والسفه تصوُّر بعضهم أن مصلحة الدين وخير المسلمين حكر على قراءة ورؤية واحدة، وانتزاعٍ وِترٍ لا ثاني له، ينحصر في الفهم الذي بلغه، ويقف عند الفكرة التي أُمليت عليه أو انتهت إليه. متجاهلين بديهة أن هذا لا يكون في القضايا الخارجية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعدِّد ما شئت من آفاق الحياة والحركة، والسعي في أطراف هذه الأرض ومناكبها. وأن القضية ليست رياضية، تمثل حاصل جمع أو ضرب أو قسمة، ولا هي حسيَّة تجريبية، أثبتت أن الفلزِّات تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وأن الرئتين في صدر الإنسان لا في بطنه ولا رجليه، وأن البصرة أقرب إلى الكويت من بغداد.

إنَّ الجزم بالمصلحة أو القطع بالمفسدة في قضية خارجية، ولا سيما على أمر مختَلف فيه، تغشاه الضبابية ويلفه الإبهام، ما يجعل فئة ترى الصواب في الإقدام، ويحمل أُخرى على الكفِّ والإحجام… لا يكون إلا عن غرورٍ طاغٍ وجهل عميق، أو ـ في المقابل ـ عن علم بالغيب واتصال بالسماء يرفع الحجُب ويزيح الأستار، فيجلي الحقائق ويكشف الوقائع!

تُرى مَن يمكنه معرفة أن سعر هذه السلعة أو ذاك المتاع، أو سهم تلك الشركة سيرتفع لسبب وآخر؟ فيوصي التجار والمضاربين بشرائه ليحققوا أرباحاً كبيرة في صفقة سهلة يسيرة؟ مَن له أن يوصي المزارعين بتأخير البذر لأن المطر سيشح أو ينقطع في هذا الموسم؟ مَن يسعه الرهان على مرشح للانتخابات، جازماً بنجاحه قاطعاً بفوزه؟ نعم، هناك تحليلات واستطلاعات ترجِّح أسماءً وتحدد نِسَباً للأصوات المقترعة، وهناك استبيانات ودراسات جدوى تستطلع فتحتمل اتجاهاً لمؤشر البورصة، وهناك أرصاد جوية تتنبأ فتحذِّر من الجفاف أو تبشِّر بالأمطار… ولكن مَن عساه أن يجزم ويبتَّ ويحسم؟!

إن الحكم في أنماط الشعائر الحسينية، وعموم طرُق التبليغ الديني وأساليب الدعوة الإسلامية، ضرب من هذا، والرأي والترجيح فيها مقولة تخضع لمعطيات لا يمكن لأحد القطع بها، فما يصلح لمورد قد يفشل في آخر، وما ينجح في حالة قد يخفق في أُخرى، من هنا تنشأ التعددية ويكون التفاوت، ويتحقق الاختلاف والتنوُّع، الذي يأخذ الحركة ـ في مجموعها ـ إلى التألق والمسيرة إلى الإبداع. يخرج عن هذا ويُستثنى ما يبلغ الوجوب والحرمة والكراهة والاستحباب، أي الحكم الشرعي، الحاكم على كل شيء، ما لم يحل دونه العسر والحرج، أو الضرر العقلائي، أو يقف عند عدم القدرة، أو ما يخلق العناوين الثانوية.. فما دام الأمر حراماً فهو مفسدة ولا شك، لا مصلحة فيه ولا طائل، مهما تراءى فيه من خير، ولاح من فوائد، وخطرَ للعامل وهجَس بمنافع.

وقد صحح السيد القائد رأيه الأول في التطبير، وتراجع عن تحريمه لبدعيته، وعاد لعنوان الوهن والضرر الذي يسببه للإسلام ويلحقه بالمذهب، ما يعني أنه لم يعد حراماً في ذاته، وإنما بعنوان انتزعه من الخارج، فقال أنه يشين ويسيء إلى صورة المذهب، لذا أباحه إن لم يكن في مرأى الناس. وهي مجرد قراءة وتحليل ورؤية، الفقيه فيها وغيره سواء، بل قد يتفوق فيها غيره عليه، كما الطبيب الحاذق في موضوعات الطب، والاقتصادي الماهر في أُمور الاقتصاد، وهكذا الأمر هنا، لعلَّ إعلامياً ضليعاً أو خبيراً بأوضاع الناس وسلوك المجتمعات وأعرافها، وأسرار حركة التاريخ وصيرورته، يرى الأمر على عكس ما رآه السيد القائد.

لقد حثَّ الشارع المقدس وندب لإحياء ذكرى سيد الشهداء، وإقامة العزاء عليه أبداً، وقد جرت الطائفة على صوَرٍ وتوارثت أنماطاً في ذلك، وهي أشكال يشترك المؤمنون كافة في ممارسة بعضها، كإقامة المجالس والرثاء والبكاء واللطم والزيارة والإطعام ولبس السواد، ويتفاوتون في أخرى كإقامة الشبيه والتطبير واستعمال بعض الهياكل الرمزية المعروفة في إيران بـ “علامت”… ليس لأحد أن يفرض على الناس ولا أن يمنع شيئاً منها ألبتة. نعم، له أن يعمل بقناعته، فلا يمارس بعضها، بل له أن يرفض النهج الآخر ويشمئز منه ويستنكره، ولكن ليس له أن يفرض هذا الاستحسان ويحمِّل مذاقه ومزاجه الآخرين، ولا سيما بالقهر والقوة، بل حتى عبر الإفراط في استعمال وسائل الإعلام، مستغلّاً ما يتمتع به من مال وسلطة ونفوذ وأدوات لا يملكها غيره، فيهيمن ويصادر رأي الآخرين ويضيِّق دائرة حراكهم، ما يلغي المنافسة وينفي النديَّة. وهو أصل عقلائي تحكم به الحداثة وتلتزمه العصرنة (التي ينادون ويمجدون بها)، فهذه المفوضية الأوروبية تفرض غرامة تتجاوز أربعة مليارات يورو على مجموعة غوغل، لاستغلالها الموقع المهيمن لنظام أندرويد بطريقة تكرِّس تفوق تطبيقاتها ومحرِّك بحثها، مما يُعدُّ ضرباً من الاحتكار، الذي يضيِّق دائرة المنافسة، ويقتل ـ على المدى البعيد ـ الخلَّاقية ويميت التحفُّز، ويطفئ جذوة الإبداع والابتكار!

إن هذا التنوُّع الذي مضى عليه الشيعة والتزموه أبداً، يعني فيما يعني، احترامهم للآخر، وتفهُّمهم للفرق بين العقيدة أو الفكرة وبين مناهج العمل وسبل التطبيق، واستيعابهم الإتفاق على حب الحسين وولائه، مع الاختلاف في طرق التعبير عن هذا الحب، والتفاوت في صوَر تجسيد هذا الولاء.. والأهم الأعظم، يعني التواضع في النفوس المؤمنة، ونفي الكبر والطغيان، حين تتفهَّم، في أمر التطبيقات، أن هناك هامشاً واحتمالاً للخطأ هنا، ومثله للصواب هناك، فلا تقمع ولا تضطهد ولا تنكِّل، ولا تفجر في الخصام.

آن للإخوة الموالين لإيران أن يفقهوا أنها معطيات مرنة، وخطوط باهتة، ونطاقات متحركة، لا تحدِّد إطاراً ولا تحسم جدالاً، لا حق مطلق هنا في قبح التطبير، ولا حقيقة جلية ساطعة في كونه شراً، من قبيل ما يكون في الأفكار والمعتقدات التي تستند إلى حجج علمية، وتقام عليها الأدلة والبراهين، فتقول إن التوحيد حق والشرك باطل، وإن الغدير عدل والسقيفة ظلم، وإن صلاة الفجر ركعتان لا ثلاث، والصيام في رمضان لا شوال، والقبلة مكة لا القدس… إن تشخيص الموضوع في شين التطبير أو زينه، هو من قبيل زعمك أن تدخُّل إيران في القضية الفلسطينية ودعمها حركة حماس يخدم المذهب، وقول الآخر إنه هدر للمال وتأليب للعالم علينا بلا طائل، أو ادعاءك أن الشعب في إيران يحبُّ حكومته، وقول الآخر إنه يكرهها ويتمنى زوالها… لا أنت تستطيع إثبات ما تزعم، ولا هو بقادر على ذلك. هذا في عالم الدليل والبرهان والعلم والمنطق، أما الهراء الذي يمارسه الإعلام، والزيف والدجل الذي يقوم به المسفود قصير في الكوثر، والطنبور أبوزكريا في الميادين، وحشو وطغام على وسائل التواصل الاجتماعي، فهو من العته والسفه في بعضهم، والشيطنة والنكراء في آخرين.

وبعد، فمما على القوم أن يقوموا به ويبادروا إليه، هو أن يخرجوا من القوقعة والنطاق الحزبي والغذاء التلقيني الذي يحجر على عقولهم وما زال يزري بها وبهم، ليروا أن أتباع المراجع العظام (الولائيين الشعائريين والمطبرين الحسينيين) ليسوا منغلقين رجعيين، ولا انطوائيين سلبيين، كما أنهم ليسوا سذَّجاً بُسطاء، وأغراراً مغفَّلين، إنهم متابعون نشطون، يتحركون في قلب الساحة، وقرَّاء جيدون، ومتفاعلون مع الأحداث، بل فاعلون في الصميم، حتى على الصعيد السياسي الذي يعنيكم، فهم ليسوا منقطعين عن محيطهم، ولا منشغلين عما يدور حولهم من أزمات إقليمية وعالمية، وحرب مضائق ومنع تصدير النفط، بل نُذر حرب كبرى تكتسح وتستأصل، وتفني وتبيد… إنما هم من الوعي والبصيرة، والسعي للحق والحقيقة ما يحصِّنهم من الانفعالية، ويمنعهم عن الاندفاع الأهوج والارتجال العاطفي، لا يسمحون لمعطيات، مهما عظمت، أن تشغلهم عن دورهم وتكليفهم، وتنتقل بهم، من آفاق إلهية تتصل بالهدف من خلقهم، إلى نطاقات متسافلة في الارتهان للحس والمادة، وتغليبها على المعنى والعبادة. شأن الإلهيين الربانيين، لا تخدعهم المظاهر ولا تأخذهم الجلبة والصيحة، يمضون على بصيرة من أمرهم، يعرفون إمامهم، وينتظرون معركتهم، ويرتقبون دولتهم، ولن يستدرجهم أحد ويجعلهم ورقة مقامرته أو دابة مغامرته، ولا وقود حربه وحصب جحيمه.

دع عنك العلمانيين الشيعة، وخطابهم الذي بلغ في رسالة أحدهم الكفر البواح… لا يوجد مؤمن ملتزم، وحتى غير ملتزم، يرضى بالأذى لإيران، وكذا للعراق والخليج ولبنان وباكستان وآذربيجان، وأيِّ بلاد الشيعة وأوطانهم، بعيداً عن الأنظمة الحاكمة والمعطيات السياسية، فمن يتحمل العبأ ويرزح تحت ألم العقوبات هم إخوة لنا مؤمنون، ولا سيما الفقراء المستضعفون، والحرب إن لم تسقط النظام، فهي ستخلِّف دماراً كارثياً يُرجع إيران في العمران والتطور المدني عشرات السنين إلى الوراء، ما سينسيها حربها على الشعائر الحسينية وتقويضها الحوزة العلمية وإسقاطها المرجعية.

هذا ما خلص إليه النقاش مع الإخوة الذين كانوا يبتهلون بالدعاء على إيران:

هناك مطالب سياسية تتمثل في قطع التدخل الإيراني في بلادنا، ولا سيما عبر الأحزاب والتنظيمات التابعة للجمهورية الإسلامية، ولكننا لا نخوض هنا في هذا الأمر، فهو مما تحكمه الأنظمة والقوانين في كل بلد، من سعة الديمقراطية والقانون، وسماحه بنشاط كل فئة حسب قناعاتها، أو عدم سماحه بذلك… ولكننا نطرح هنا قضية بعينها دون غيرها، ونلاحق هدفاً محدداً واضحاً، هو ان يكف النظام الإيراني عن التدخل في ديننا، ويقطع توغلاته في عقائدنا المقدسة وشريعتنا الغراء.

وما دام السيد الخامنئي التفت أخيراً ـ كما قيل ـ لضرورة رأب الصدع في الجبهة الداخلية، والعمل على إطلاق سراح السيد الموسوي والشيخ الكروبي، والإصلاحيين الذي اعترضوا على تزوير الانتخاب الثاني لأحمدي نجاد… فإننا نتوجه إليه بطلب ورجاء، ونصيحة صادقة مخلصة، أن يكف أيدي المرتزقة عن الشعائر الحسينية. ليقدم السيد بشجاعة ويطوي هذه الصفحة، إما بقناعة يستقيها من الحق، ونبل يستمده من سيادته وأصله الشريف، أو من معطيات سياسية موبوءة وصفقات تجارية يفرضها الظرف العصيب الذي تمر به دولته، ما يكفي به الله المؤمنين شر القتال في موسم العزاء القادم، ونحن نقف على أعتابه.

رسالة من الخامنئي إلى نصرالله..

وكأننا في عالم آخر، يعلو أُفقه على ما يجري الآن من انتخابات نيابية، يتجاوز ميادينها ويتخطَّى صخبها وضجيجها، ولا يعبأ بجبهاتها المحتدمة، ولا بمعاركها، الحقيقية والمسرحية، الجادة والهزلية، ولا يبالي بمعطياتها ونتائجها…

البارحة زارني شهيد، أو ارتقيت، فبلغتُ أُفقاً أطل عليَّ منه الشيخ ياسر، فزرته، زميل دراسة كنت أكبُره عمراً، ويكبرني خُلقاً وورعاً، أفوقه مالاً وثراءً، ويفوقني إخلاصاً وحياء، أعلوه مزاحاً ودعابة، ويعلوني وقاراً ودماثة، أغلبه حماسة وثورية، ويغلبني جداً وعملية. كنا نتباحث في الألفية، فأستفيد من مباحثته وأتلقى منه أكثر مما أفعل من الدرس. وبعد اللغة والأدب، زرع الفتى فيَّ الشغف للبحث والأُنس بالتحقيق العلمي، فما إن يفرغ من دروسه، حتى يقصد مكتبة المرعشي النجفي، وينشغل بجمع المصادر والإعداد لدراسة يقوم بها، غالباً ما يكلفه بها والده، وكان آخرها، إن لم تخني الذاكرة، عن الحروب الصليبية وأثرها في الهوية الطائفية والمذهبية لبلده، لبنان.

قال لي: إن هذا القصر الباذخ الذي ترى، يقع في حيٍّ أسكنني فيه حبي وعشقي، وألحقني بسُكَّانه وأدرجني برتبة قاطنيه معرفتي وعلمي. وأنت تراه لأنني خرجت منه إليك، لذا لا ترى بقية القصور ولا الأنهار والرياض والحور، فما زلت محجوباً عنها، لم ترق إليها!

: كيف هي الحياة هنا؟ ماذا يمكنك أن تخبرني، وعلى أي نعيم عساك أن تطلعني؟

: لن تطَّلع إلا على ما يحملك سعيك إليه، ولن تنال شيئاً حتى تعرف قيمته وتبذل ثمنه، واعلم أن سوق العمل هنا في ركود وكساد، السلعة الأكثر مبيعاً وصرفاً، وطلباً ورواجاً، هي المعرفة والمحبة. نعم، “فوق كل ذي برٍّ برٌّ، حتى يقتل الرجل في سبيل الله”، لكن المعضلة أن البرَّ بشتَّى وُجوهه، والإحسان بكافة أنواعه وأقسامه، يأتي بعد المعرفة والإيمان، وتالي العلم والحب، والولاء والبراء. هذا هو ما يأخذ الناس في مدارج الارتقاء، ويأخذهم في السموِّ ما شاء الله. لعمري، كانت معادلة سهلة بسيطة، أغرقتنا الحركة الإسلامية ودعاوى الإصلاح الديني والحداثة في فلسفاتها، وأضاعتنا في متاهاتها، ولم يُنجني إلا بقائي على ضفافها، فلم ألج غمارها ولا توغلت في أعماقها، وليتني لم أدن منها أصلاً ولا اتصلت بها يوماً!

آثرت أن ألتقيك لأبلغك رسالة، قال لي مَلكٌ، أنها لو نجحت في هدفها وحققت مقصودها، فسترفعني مرتبة وترقى بي درجة، فآثرت لقاءك، على الرغم من أنني كنت موعوداً أن يفسح لي فأزور العلامة المجلسي، بعد أن تشرفت مع جمع من رفاقي الشهداء من قبل بزيارة المقدس الأردبيلي والشهيد الثاني… “المداد” هنا قيمةٌ يا عباس، وأية قيمة! الشهداء هنا في مراتب مختلفة ومقامات متفاوتة، مرتكز التصنيف ومحور التقييم، هو الحب والمعرفة، لذا فإن منَّا مَن ينتظر سنوات حتى يلتقي بعض الفقهاء ويحظى بزيارة أحد العلماء، ومنَّا مَن نال شرف لقاء بعض أصحاب سيد الشهداء!

إنهم يلحظون حجم التضحية والعطاء، ولا سيما خلوص النية وصدق العزم، وجودة العمل وإتقانه، ويقدِّرون الجهاد، ويثمنون الطاعات والعبادات، لكن ما يحكم على كلِّ هذا وذاك، هو معرفة الإمام وحب آل محمد عليهم السلام. هذا هو الإكسير الذي لو ذُرَّ على سيئات الخلق صارت حسنات! نعم، إنه يغيِّر جواهر الأشياء ويقلب حتى الماهيات.. فلا تستكثر أن تمحو دمعة بقدر جناح بعوضة، تترقرق حزناً على سيد الشهداء، ذنوب صاحبها ولو كانت مثل زبد البحر! ولا تحسب القول بأن لزيارته أجر مَن أعتق ألف نَسمة، وكمن حمل على ألف فرَس في سبيل الله، مُسرجة مُلجمة (وفي لغة العصر، قل دبابة أو مجنزرة!)، من الغلو والمبالغة في شيء. إنني أدرك الآن بالعيان والوجدان ماذا أراد الحديث الشريف عن أبي جعفر عليه السلام، قال: “لو يعلم الناس ما في زيارة قبر الحسين عليه السلام من الفضل لماتوا شوقاً وتقطَّعت أنفسهم عليه حسرات”. قال: “مَن أتاه تشوّقاً كتب الله له ألف حجَّة متقبَّلة، وألف عمرة مبرورة، وأجر ألف شهيد مِن شهداء بدر، وأجر ألف صائم، وثواب ألف صدقة مقبولة، وثواب (عتق) ألف نسمة أُريد بها وجه الله”… حتى يقول: “فإن مات سنته حَضَرتْه ملائكةُ الرَّحمة، يحضرون غسله وإكفانه والاستغفار له، ويشيِّعونه إلى قبره بالاستغفار له، ويفسَح له في قبره مدَّ بَصَره، ويؤمنه الله من ضغطة القبر، ومن منكر ونكير أن يروِّعاه، ويُفتح له باب إلى الجنَّة، ويعطى كتابه بيمينه، ويعطى له يوم القيامة نوراً يضيء لنوره ما بين المشرق والمغرب، وينادي مُنادٍ: هذا من زوار الحسين شوقاً إليه، فلا يبقى أحدٌ يوم القيامة إلا تمنَّى يومئذ أنه كان من زُوَّار الحسين عليه السلام”… إياك والمستخفِّين، أو المقرنين بهذه الطاعة غيرها، والمفاضلين بها سواها، ولو كانت جهاد المشركين في بدر وأحد وحنين.

لا شيء يكدِّر صفونا هنا إلا ما ينالنا من أهلنا وقومنا، وهذه رسالتي التي أرجوك نقلها أو نشرها، إنهم يقومون بما يزري بنا ويطأطئ رؤوسنا أمام أقراننا من الشهداء الإيرانيين والأفغان والباكستانيين والعراقيين وغيرهم، بل أمام سادتنا الأئمة الأطهار عليهم السلام! ونحن بين الشهداء قلة قليلة لا نقارَن ولا نقاس، وبين المجاهدين نزرٌ يسير وكأننا لا بالعير ولا بالنفير، ولكنَّ تبجُّح قومنا وتنطُّعهم، والكبر والفخر والزهو فيهم، صوَّر لنا حجماً وادَّعى لنا عطاءً يفوق الحقيقة ويتخطَّى الواقع بأضعاف. وما زالوا في هذا بما تجاوز التوظيف السياسي وضرورات التعبئة والحرب الإعلامية، إلى التطاول على سادة الخلق وأولياء النعم، الذين يدين لهم كل شيء هنا، ويخضع ويذل كل ممكن وكائن، من ملائكة مقربين وأنبياء ومرسلين، وعلماء ربانيين، وشهداء في قمم العلم والمعرفة والإخلاص… حتى أطل الأمين العام ليقول فينا:

“أيها المضحين الشرفاء، بأبي أنتم وأمي ونفسي، كيف أصف حسن ثنائكم، وأُحصي جميل بلائكم، بكم كشف الله عنا غمرات الكروب، وانقذنا من شفا جرف الهلكات، وبات شعبنا يعيش على امتداد هذه الأرض، آمناً مطمئناً عزيزاً كريماً… بكم أنتم أخرجنا الله من الذل، بدمائكم، بتضحياتكم، بشهدائكم، بجرحاكم… أخرجنا الله من الذل، في كل امرأة وسيدة منكم تسكن روح زينب.. في رجالكم إيثار العباس الذي رفض أن يشرب الماء، وفيكم روح أبي عبدالله الحسين…”. مقتبساً، بل ناقلاً بالنص، مقاطع من الجامعة الكبيرة التي يهتز لها العرش، فيسنُّ أن تقدَّم وتسبق بمئة تكبيرة، حذر الغلو وخوف غلبة المعاني والأوصاف على موجدها، وتفوُّقها على وَاهبها جلَّ وعلا…

ودعنا عن الرؤى والأحلام، أو الإلهامات والمكاشفات، والاتصال بالشهداء أو الأموات..

في الحديث الشريف “لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا”… ونحن هنا أمام فهم يقفز على ظاهر ألفاظ الزيارة والمدلول المباشر لها، فضلاً عن أعماقها التأويلية، ومراتب الإشارة والربط فيها، و”معارضيها”! فإسقاط “الذل” ـ مثلاً ـ على هذا المعنى الساذج، قراءة بعيدة كل البعد عن قيَم الدين ومعايير السماء، فالذل لا يتحقق بالهزيمة والأسر والعجز وغلبة العدو، كما لا يرتفع بالانتصارات والأسلحة والصواريخ، ولا بعدد المقاعد النيابية والحقائب الوزارية، ولا بالمال والجاه، ولا بالنفوذ والسلطة. وما تراه من آثار ذلك وتشهده، هو من انحطاط هذه الدنيا الدنية، وغلبة الباطل على الحياة فيها، ومن النزول على شرائطها وقوانينها. والإلهيون في دعوتهم ورسالتهم، أول ما يُبطِلون هذا الباطل، فلا يرسخونه ولا يجارونه وينزلون عليه! إنما ينال الإنسان عزه ويحقق نجاته ومجده، ويخرج من الذل وتفرج عنه غمرات الكروب بموالاة آل محمد، بهم هم لا بغيرهم يكون ذلك.

لقد أسقط السيد هنا كلمات نورية ومعان ملكوتية عرشية، على أُفق دنيوي ضيق، وأخذ مخاطبيه وأبقاهم في قيودهم المادية، مكبلين بأصفاد ترتهنهم، بدل أن يحرِّرهم وينقلهم إلى آفاق القيم والمعاني، ثم المعنويات والروحانيات، ويعمل بهدي الأنبياء: “يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال”.. وهذه جريمة، لكنها لا تقاس بالأُخرى، الجريمة الكبرى والكارثة العظمى…

هل الشهداء يا سيدنا الجليل هم الذين أنقذونا من الذل؟ هل يجوز لك أن تستبدل الأئمة المعصومين الأطهار، واسطة الفيض الإلهي، وأصحاب الولاية التكوينية، ببشر عاديين؟! نعم، لستُ ملغياً الأسباب، ولا ناسفاً السير الطبيعي للأُمور، فالشهداء وتضحيات المجاهدين، قد تقع في سلسلة العلل، وتكون في الأسباب والمسببات، ولكن الكلام في توظيف النص وسرقته، في هذه الجرأة على الله ورسوله والأئمة الأطهار، جرأة يهتز لها العرش ويكاد أن يطوى الفرش.

أتعلم إنك فتحت الأبواب للمتملقين وشرعت السبل للمداهنين؟ وأقمت سوقاً للمراء والنفاق، يتنافس فيها المستأكلون، فصاروا يزايدون ويتسابقون في هتك مقامات الأنوار المعصومة وابتذالها، بنسبة عناوينها وأسمائها إلى غيرهم! فصرت أنت “حسين العصر” وصار السيد القائد “إمام الزمان”! وهنا ليندب النادبون وينادون بالويل الثبور وعظائم الأمور.

ودع عنك هراء الاعتذار بالاستعمالات المجازية، وتسويلات الشياطين بمزاعم صيغ البلاغة والاستعارة والكناية، وما إلى ذلك مما تروِّجه عمائم أنت أدرى بقيمتها العلمية، وأعلم بافتقادها أدنى مراتب التخصص والأهلية، فهؤلاء بطانة خبال، وهم أرباب دنيا، يلاحقون مصالحهم ويحرصون على مناصبهم وشهرتهم، لا يبالون بقبرك الذي ستنزل فيه وحيداً، ولا يكترثون لنشرك وحشرك… فالأمر في واقعه وحقيقته فوق ذلك وبعده، ولك أن تتدبر فيه عبر فرض وسؤال: هل يجرؤ أحد هؤلاء المتزلفين أن يقول فيك “محمد العصر”؟! والله ما كانت دار الفتوى لتتركه إلا بتراجع وانسحاب، ثم اعتذار وتوبة، ولا جماهير طريق الجديدة إلا بسبٍّ وهتك لا يبقي له بقية، ولا أهل طرابلس إلا بقصاص شرعي وإعدام…

فما بالنا نبتذل مقدساتنا ونهتكها، ولا تأخذنا الحمية على أئمتنا وولاة أمرنا؟ وعليٌّ عندنا نفس رسول الله، والحسين ذاته في عصمته وولاية ومكانته، وكذا باقي الأئمة الأطهار، فأولهم محمد وأوسطهم محمد وكلهم محمد.

وما دامت الحقائق صارت تعرف بالرجال، ولم يعد الرجال يعرفون بالحق، دعني أُحجك بحديث السيد الخامنئي، مرجعك في دينك ومن تأخذ منه أحكامك، وهو يصف ما يقوم به بعضهم من الغلو في شخصه، ويرسم الحد في هذه ـ التي غدت بسبب رواج الجهل ـ معضلة، وأصبحت مدخلاً للفتنة، يقول:

“إن الرعشة (القشعريرة) لتتملك بدني من أُناس يذكرون الاسم الأقدس لأميرالمؤمنين أو اسم ولي العصر، ثم يعقبون ذلك بذكر اسمي. يرتجف بدني، من اقتران ذكر حقائق النور المطلق بي أنا الغارق في الظلمة. أنا نتاج (نبت) دنيا اليوم الملوثة، أين أنا من أصغر تلاميذهم وأقل أصحابهم، أين أنا من “قنبرهم” (مولى أميرالمؤمنين)، أين أنا من تراب أقدام عبدهم الحبشي (جون) الذي استشهد في كربلاء؟! نحن لا نساوي عبيدهم”!

إنني أدعو أخي العزيز السيد حسن، رحمة به وشفقة عليه، ورأفة بالشيعة الذين يرونه قدوة وما زال يأخذ فيهم موقعه من التأثير، أن يبادر إلى سحب مقولته هذه، واستدراكها بما يصحح هذا الخطأ الجسيم والذنب الشنيع، ويأمر بأن يكف الناعقون عن نعيقهم، ويعيد بناء الركائز العقائدية في الحزب على أُسس ولائية صحيحة، وعقائد إمامية قويمة، تفصل هذا المسار المقدس، وتنزِّهه عن حركة الضلال، وتنأى به عن الحداثيين الهاوين الغاوين.

واعلم سيدنا الجليل، أنك كلما خضعت هنا وتذللت، وأظهرت العبودية والرق، وارتديت لباس المسكنة والفقر، سموت وارتقيت، ونلت من العزة ما لا تنال منه هزيمة، ولا صلح واستسلام، ولا قتل وتشريد، ولا خضوع للعبيد، مما كان وما زالت تدور عليه رحى الأيام في دولة الباطل، ويعاني منه المؤمنون المستضعفون في كل مكان، وعلى مدى الزمان… ستكون عزيزاً، لا في نظر العروبيين وقضية فلسطين، بل عند الأولياء وسكّان السماء، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لا لغيرهم، وإن كانوا حكاماً وسلاطين، وأقوياء مسلَّحين، تنفذ أوامرهم وتجري قراراتهم على الدول وتقهر الشعوب.

اللهم كفَّ عنَّا بأس الذين كفروا فإنك أشد بأساً وأشد تنكيلاً

————-

ملحوظة: إنما أنشأت هذه المدونة على الرغم من تحفظي على العالم الافتراضي وعزوفي عن ميادين الفضاء الألكتروني، حتى أحفظ ما أكتب من العبث والتحريف، وأن ينسب إليّ ما لا أقول أو أتبنى… فكل مقالة لم تدرج وتنشر في هذه المدونة، خارجة عن الاعتبار والمسؤولية.

هل على السيد القائد إمام أم لا؟

خذها وأنا ابن بَجْدتها وحليف فكرتها، وصاحب سرها وأليف دربها، قد عرفت القوم وعركتهم، كبيرهم وصغيرهم، أصيلهم ولصيقهم، فشنأتهم وقليتهم بعد أن خبرتهم، ولفظتهم بعد أن عجمتهم، حين استولى الأدعياء وغلب الطلقاء، وبدأ الإتجار بالدين والاستئكال بالمذهب، واللعب بالولاية والعبث بالإمامة، مفهوماً ومصداقاً، وعقيدة وسلوكاً…

كلما كان الرجل منهم مجاهداً صادقاً ومضحياً مخلصاً، خاض الميادين، فسطر الملاحم وسجَّل البطولات، تملأ جسمه الشظايا، وتستحضر روحه آفاق لقاء الله، وتتحسر على الشهادة التي تخطَّته في غير معركة وفاتته أكثر من مرة.. رأيته وقوراً معتدلاً، قويماً متوازناً، بعيداً عن التعصب الحزبي والتطرف الفئوي، يعيش القضية بآفاقها الإلهية، لا ينشغل بالسفاسف والتوافه، ولا يلاحق الفرقعات الإعلامية وما يجذب الأضواء ويرفع أسهمه عند “الأرباب“ (بمعنييها العربي والفارسي).

وعلى العكس من ذلك، كل مَن رأيته مفرطاً في مزاعم الثورية، مبالغاً في دعوى ولاية الفقيه وتعظيم النظام الإيراني، مسرفاً في تقديس السيد القائد، متمادياً في مدحه، مغرقاً في الثناء عليه، متكلِّفاً له المعاجز ومخترعاً له الكرامات… فاعلم أنه متشدِّق متبجِّح، متصنِّع متحذلق، متكلِّف مزايد، لك أن تحثو التراب في وجهه، غير متأثم ولا متحفظ، فلا غضاضة هنا ولا دية، كما “وللعاهر الحجر“… إذا رأيت ملَكِيّاً أكثر من الملك، كما يقول العرب، ووعاءً أكثر سخونة من الطعام (أو الآش)، كما يقول الفرس، اعلم أنه كاذب خرَّاص، لا اسم له في ديوان المجاهدين ولا رسم، لا معركة خاض، ولا عملية جهادية نفَّذ، لا جُرح مرة ولا أُسر يوماً، لم تعتقله أنظمة الجور، ولا استهدفه الموساد، ولا لاحقته وحاصرته السي أي إيه! بلى، ستراه مقداماً جسوراً في ساحة التجسس على المؤمنين، وبطلاً صنديداً في ميدان رفع التقارير، أسداً في الفتنة وليثاً في بث الشقاق والفرقة، وكل ما في ذلك وحوله من مواطن الدناءة والوضاعة ومواضع الخسة والحقارة.

من هذه البؤرة ظهر “الشين على الدين“، ذي الوجه “الطاعم“ والسحنة الصماء الميتة من كل إحساس، مهما تصنَّع الابتسامة وبثها صفراء، تحكي سريرته المسمومة وروحه الملوثة الموبوءة، وفي علم الفراسة دلالات لا تخلو من وجه، جسم متكتِّل وبطن كبير مترهِّل، عنق ضخمة قصيرة، جعلت رأسه المستديرة ترتكز على كتفيه، فكأنه يطلُّ من حفيرة! وذراعان ممتلئتان، يلوِّح بهما ويطوِّح كنادبات “عمر مكرم“ ونائحات “قرافة الفسطاط“ في القاهرة، ووِركان عريضان، تحولان دون أن يقر ويسكن على مقعد، كما لا يطمئن ويثبت في وقوف، كأن بينهما دودٌ يسرح، يدبُّ ويحك فيُشعر بالنَمَل والنَّخز، فيأخذ في هزهما جيئة وذهاباً، ولا ينبغي أن أقرن ذلك بهزٍّ آخر، حرمة للزي لا غير… هكذا ظهر الأنوك منظِّراً، لا في السياسة مرتع كل مفلس، ولكن في الدين، بل في ذروة هامته وأعلى سنامه، عمقه الأكثر غوراً، وكنهه الأعظم خطراً وشأواً: الولاية. فراح يفلسف علَّة الغيبة، ومعضلة الحضور وعدم القيام والثورة. ولو نحا ما يدين الأُمة على خذلانها، واكتفى بتقبيح تقصيرها بحق إمامها، لهان الخطب وصغرت البلية، لكنه تسلل من هذا وتسرَّب، إلى نفي الإمامة عن “القاعد“، وإبعادها عن “الغائب“ غير الحاضر الممارس للقيادة السياسية!

يقول: “لا يُرضى الدين إلا إذا كان الولي قائداً سياسياً“، فسلب الولاية ممن نزلت فيه “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا“ (فقد “قعد“ عن حقِّه ولم ينهض بسيفه، وترك السياسة وهجر القيادة!)، ثم قال: “نحن من الذين يطالبون يوم القيامة ويسألون عن وليهم، ومن يزعم أنه سيجيب على قوله تعالى “يوم ندعو كل أناس بإمامهم“ بأن إمامَه المهدي عليه السلام، فسيُردُّ عليه: كلا، الإمام هو الذي تقتدي به لا الذي تعتقد به فقط“! وراح يهزأ ويسخر ويجعل من أميرالمؤمنين شيخ عشيرة عند الشيعة، وأن كيل المسؤولية قد فاض به عن مجاراة الناس ومسايرتهم في تعظيم هذه المودة! فوجب أن يصدح بالحق ويمارس المسؤولية، فكان أن أخرج مَن لا يكون بمستوى “نموذجية الدعوة إلى حب علي“ من الدين، وصنَّفه “قاطع طريق“! وبعبارة أخرى صريحة، الرجل يلخِّص التشيع، ويجمع ولاية الأئمة المعصومين، في الولاية السياسية التي ينهض بها فقيه مجاهد، وما سوى ذلك ضلال، بل إضلال وتزييف وقطع طريق!

ومن هوان الدنيا وبلاءات الزمان وأرزاء الحياة، أن ننحدر بمقولات الفقهاء العظام والعرفاء الكمَّل والفلاسفة والمتكلمين، ونحمل صافي عقيدتنا ونقي فكرتنا ومسلَّمات مذهبنا، فنأخذها لمناظرة هذا الصعلوك! بينما الحق أن يخاطب، وينادى عليه بقول جرير: حجُّوا الصليبَ وقرِّبوا قربانكم @ وخذوا نصيبكم من الخنزيرِ!

لا يمكن لمسكون بالسلطة، مهووس بالقدرة، نزق بالإمرة والشهرة، مرتزق على أعتاب دوائر المخابرات، استجدى “هيبته“ وكسب “مجده“ من تقارير يرفعها عن طلبة العلم والمحازبين، وأخبار واتهامات يلفِّقها على المؤمنين، فاتقاه الناس مخافة شره، وحذروه مغبة غدره.. لا يمكن له أن يستوعب كيف يقاد الإمام بحمائل سيفه؟ أو تضرب سيدة نساء العالمين في محضره؟ أو يشخص من بلده لتشوَّه صورته بقبول ولاية العهد؟ ثم يجيب مرغماً إلى دعوة يُسقى على مائدتها السم، فيمتثل؟ أو كيف تكبس داره فلا يرد المعتدي ولا يدفع عن نفسه؟ وهو يتخطى النيران ويمشي فيها قائلاً: “أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله“؟! أو كيف يُحمل من المدينة ويُرتهن في سامراء، ثم يقابل الخليفة الغاصب حين أصعده على تلٍّ تراكم مما ملأ به كل جندي مخلاته، حتى كان جبلاً أو ربوة، فيمسح على عينه، فيريه ملائكة مدججة بالسلاح تملأ ما بين المشرق والمغرب، فيغشي على المتوكل! فلما أفاق طمأنه وقال: “لا عليك، نحن لا ننافسكم في الدنيا، بل مشغولون بالآخرة“.

لو عرف هذا التعس شيئاً من معاني الولاية التكوينية، أو فَقِهَ بعض معاني الزيارة الجامعة، أو مرَّ بقول الخميني أنهم سلام الله عليهم ليسوا من مقولة الخلق، بل قنطرة بين الخالق والمخلوق، هي المشيئة، وأوعية الإرادة الإلهية، مستدلاً قبل الأصل العرفاني بحديث الصادق عليه السلام: “خلق الله الأشياء بالمشيئة، وخلق المشيئة بنفسها“… لما قرنهم بأحد، ولا قاس بهم سواهم، ممن تجري عليهم نعمتهم.

لو اطَّلع هذا المسكين وقرأ عن مصحف فاطمة، واجتماع الهاشميين حين تضعضع ملك بني أمية وأشرف على السقوط، وما دار فيه، وكيف رفض جعفر بن محمد عليه السلام ترشيحهم له وعرضهم عليه تقلُّدها، ثم كيف نفاها عن الحسنيين، لأنه لم يجد لولد الحسن في مصحف فاطمة شيئاً، وأنها ستكون لذي القباء الأصفر (أبوالعباس السفاح)… لميَّز بين قيام يخوض في الدماء، ويورث قتلاً ودماراً وخراباً، فلا يحقق نتيجة ولا يبلغ هدفاً، حتى ينتهي بمُصالحة ومهادنة، وصفقة وتسوية، وينكشف أنه كان منقاداً ومجرد حجر أو بيدق على رقعة ألعوبة سياسية كبيرة، وبين “قعود“ وصبر قرأ الاحتمالات، بل خلص إلى النتائج واطَّلع عليها كمن ينظر في راحة كفِّه، فمضى إلى ما يوافق مسيرة الغيب وحركة الأقدار، ولا يشاء إلا ما شاء الله. ولست أنفي هنا العمل بالتكاليف الشرعية الظاهرية، من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع والجهاد، ما دامت مستوفية للشروط الشرعية، ولكني أشير إلى جواهر عقائدية ولآلئ نورية وقيَم عرشية، يحاولون طمسها وتغييبها، أو جحدها وتجاهلها، بل هتكها والاستخفاف بها، حتى يتاح لهم التعامل مع معطيات ظاهرية زائفة وأرقام مغلوطة تخدم إمرتهم وزعامتهم وكأنها حقائق، وتحويل قراءات وتحليلات سياسية إلى أحكام شرعية وأسس عقائدية تتصل بالناموس الإلهي الذي يقوم عليه الكون ويدور، حتى إذا خالفهم فيها أحد، مرق وبغى وكفر!

لا يمكن لهذا المريض أن يفهم شيئاً غير القهر والقوة، وسطوة الإعلام وغلبة المال وفتك السلاح، إنها أنفس معقَّدة، تعيش ازدواجية مقيته: هوان وذلة وخنوع أمام الحزب ومسؤوليه، يحجبه عن أدنى نقد، ناهيك باعتراض أو تحفُّظ أو رفض، ثم طغيان وجبروت، وزهو وكبر يأخذه إلى الجرأة على مفاهيم الدين المبين، والوقاحة في هتك مقدساته، والتطاول على المؤمنين، ممن لا يوافقونه الرأي، ويأخذون بمسلمات مذهبنا التي ترى الحسن والحسين إمامين قاما أو قعدا، وترى الأئمة من بعد الحسين، زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري، صلوات الله عليهم، أئمة هدى، وإن لم يقوموا بثورات، ولم يواجهوا بالعنف والقوة ظلم الحكومات.

لعمري، ماذا عسى المكلوم في دينه، المجروح في عقيدته، والمصاب في مقدساته، أن يقول لهذه الكتلة المتراكمة من الجهل المركَّب، والجراب أو الخرج الذي يُلكَز بعود أو عصا، فيشتد ما فيه ويهيج، فيفوح منه النتن والعفن، وتنبعث الصنة والزنَخ، حتى استعان عليه صاحبه بالتوجيه من بُعد، عبر “ريموت كنترول“، فلا يقرب إليه أو يدنو منه، فيلحقه عاره، ويعلق به شناره، ويُحسب عليه ويغدو مسؤولاً عن ردعه وتأديبه، مطالباً بمعاقبته، وأدناها طرده من حزبه، ولا سيما مواقع تربية النشأ والتغذية العقائدية، فإن عزَّ ذلك، وجب منعه من الكلام لعشرين سنة أو تزيد، فلا تنقص.

عسى أن يقطع شوطاً في الدراسة والتحصيل، فيتوقف عند وقائع الأيام وحوادث الزمان، التي عاشها الشيعة الأُوَل، وهم يبحثون عن إمامهم، والروَّاد الذين اتخذوهم ليقودوهم إلى نجاتهم، فيتعرف على هشام بن سالم، وكيف قاد الحيارى، من الأفطح إلى الإمام الكاظم عليه السلام، قال: “كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبدالله (الصادق) عليه السلام، أنا ومؤمن الطاق، أبوجعفر، والناس مجتمعون على أن عبدالله (الأفطح) صاحب الأمر بعد أبيه. فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق، والناس مجتمعون عند عبدالله، وذلك أنهم رووا عن أبي عبدالله عليه السلام أنَّ الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة (لا أفطح ولا أكتع). فدخلنا نسأله عما كنا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مئتين خمسة، قلنا: ففي مئة؟ قال: درهمان ونصف درهم. (قال) قلنا له: والله ما يقول المرجئة هذا. فرفع يده إلى السماء فقال: لا والله ما أدري ما تقول المرجئة. قال: فخرجنا من عنده ضلَّالاً، لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبوجعفر الأحول. فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى، لا ندري إلى مَن نقصد، وإلى مَن نتوجه، نقول إلى المرجئة؟ إلى القدرية؟ إلى الزيدية؟ إلى المعتزلة؟ إلى الخوارج؟ قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه، يومي إلي بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر (المنصور العباسي)، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على مَن اتفق من شيعة جعفر، فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت لأبي جعفر: تنح فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني ليس يريدك، فتنح عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحى غير بعيد. وتبعت الشيخ، وذلك أني ظننت أني لا أقدر على التخلص منه، فما زلت أتبعه حتى وردني على باب أبي الحسن موسى عليه السلام، ثم خلاني ومضى، فإذا خادم بالباب فقال لي: أدخل رحمك الله، قال: فدخلت فإذا أبوالحسن (الكاظم) عليه السلام، فقال لي ابتداء: لا إلي المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إلي إلي إلي. قال: فقلت له: جعلت فداك، مضى أبوك؟ قال: نعم. قال: قلت: جعلت فداك، مضى في موت؟ قال: نعم. قلت: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟ فقال: إن شاء الله يهديك هداك. قلت: جعلت فداك، إن عبدالله يزعم أنه من بعد أبيه، فقال: يريد عبدالله أن لا يعبد الله. قال: قلت: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟ فقال: إن شاء الله يهديك هداك. قلت: جعلت فداك، أنت هو؟ قال: ما أقول ذلك. قلت في نفسي لم أصب طريق المسألة، قال: قلت: جعلت فداك، عليك إمام؟ قال: لا. قال: فدخلني شيء لا يعلمه إلا الله، إعظاماً له وهيبة أكثر ما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه. قلت: جعلت فداك، أسألك عما كان يُسأل أبوك؟ قال: سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح. قال: فسألته فإذا هو بحر. قال: قلت: جعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضلَّال فأُلقي إليهم، وأدعوهم إليك، فقد أخذت علي بالكتمان؟ قال: من آنست منهم رشداً فألق إليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح، وأشار بيده إلى حلقه. قال: فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر فقال لي: ما وراك؟ قال: قلت الهدى. قال: فحدثته بالقصة، ثم لقيت المفضل بن عمر وأبا بصير. قال: فدخلوا عليه وسلموا وسمعوا كلامه وسألوه. قال: ثم قطعوا عليه. قال: ثم لقينا الناس أفواجاً. قال: وكان كل من دخل عليه قطع عليه، إلا طائفة مثل عمار (الساباطي) وأصحابه، فبقي عبدالله لا يدخل عليه أحد إلا قليلاً من الناس. قال: فلما رأى ذلك وسأل عن حال الناس، قال: فأُخبر أن هشام بن سالم صدَّ عنه الناس. قال: فقال هشام: فأقعَد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني “.

ومما يتوجه هنا إلى هذا التعس وأضرابه، وينهض في المقام من تلقائه، سؤال: هل القائد السياسي والولي الثائر المجاهد الذي بايعته واتخذته إماماً.. عليه إمام أم لا؟ فإن كان الجواب بالنفي، خرج من ملَّتنا وكان على دين غيرنا، ومات ميتة جاهلية، وإن أجاب بالإيجاب، وقال بإمامة المهدي (كما سيفعل بطبيعة الحال)، فإن ما أجاز له أن يوالي غائباً، ويقول بإمامة غير متصدٍّ ولا حاضر، وسمح له أن “يخلط“ بين الاعتقاد والاقتداء، يجيز لي ذلك أيضاً. بهذا الملاك، الحجة هو إمامي كما هو إمامه، أنا وسائر العوام وهو وجميع الفقهاء والمراجع العظام، إمامنا المهدي لا غير، ما دمنا إمامية إثنا عشرية…

إن ولاية الفقيه مسألة شرعية، وكذا الجهاد والقيام والثورة، يُرجع فيها إلى الأعلم من فقهاء كل عصر، ليست من أصول الدين ولا من ثوابت المذهب، ولا هي من العقائد التي لا تقليد فيها، مضى الشيعة على خلافها عصوراً وعهوداً، كما عملوا بها والتزموها فترات وجيزة، طالما كانت مقاطع عارضة ومراحل استثنائية… ومن يريد لها الاستمرار ويرجو لها الدوام، عليه أن يأمِّن لها اكتمال الشرائط في قائلها، واستيفائها في الدعاة إليها، وإلا فستكون ابتذالاً وهي تُلقى بهذه الطريقة الهوجاء، تتجاوز العلم وتهتك الأصول وتزري بالقيم، فتستفز الناس وتبعث فيهم تجاهها بدل القبول العداء.